![]()
حين تُسجن النزاهة
بقلم: شهد حسين نايل
النورس نيوز
في الدول التي تحترم القانون، تكون النزاهة درعًا يحمي أصحابها، لا قيدًا يُزجّ بهم خلف القضبان بسببه. غير أن الواقع المؤلم يكشف أحيانًا صورة مغايرة، حين تتحول محاولات الإصلاح إلى تهمٍ غير مُعلنة، ويصبح الصمت عن الفساد طريقًا أكثر أمانًا من مواجهته.
هذه ليست شهادة صحفية، ولا بيانًا سياسيًا، بل صرخة إنسانية تكتبها ابنة عن والدٍ أفنى أكثر من أربعين عامًا من عمره في خدمة الطيران المدني السوداني، قبل أن يجد نفسه فجأة خلف القضبان، دون تهمة، ودون محاكمة، ودون أن يُمنح حق الدفاع عن نفسه.
والدي، حسين نايل، لم يكن يومًا جزءًا من منظومة فساد، ولم تُسجل بحقه مخالفة واحدة طوال مسيرته المهنية. عرفه زملاؤه داخل المؤسسة وخارجها رجلًا ملتزمًا باللوائح، حريصًا على المال العام، مؤمنًا بأن الإصلاح واجب لا يُؤجَّل. غير أن هذا الإيمان كلّفه الكثير، حين حاول التصدي لتجاوزات تسللت إلى مؤسسة يفترض أنها واحدة من أكثر المؤسسات انضباطًا وحساسية.
بدل أن تُفتح ملفات التجاوزات، فُتح باب الإقصاء. إقالة بلا أسباب واضحة، ثم منع من السفر دون قرار قانوني مُعلن، رغم صدور تقارير رسمية من الجهات العدلية والرقابية والأمنية تؤكد خلو سجله تمامًا من أي مخالفات. بل ورفعت هذه الجهات تقريرًا لمجلس الوزراء يثبت براءته الكاملة.
ورغم ذلك، استمر التضييق، وصولًا إلى احتجازه وسجنه لأكثر من ثلاثة أسابيع، دون توجيه تهمة، ودون عرضه على محكمة، في مخالفة صريحة لأبسط مبادئ العدالة، وللنصوص الدستورية التي تكفل حق المحاكمة العادلة وحق الدفاع.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
أي عدالة هذه التي تُعاقِب من حاول الإصلاح؟
وأي دولة هي تلك التي تُضيّق على الشرفاء، بينما تُهمل تجاوزات مالية مثبتة بالمستندات على آخرين؟
الوقائع، كما هي، تشير بوضوح إلى أن ما حدث لا يندرج في إطار تطبيق القانون، بل يبدو كأنه تصفية حسابات إدارية ضد من تجرأ على كشف الخلل. وهو أمر، إن ثبت، لا يسيء لشخص واحد فحسب، بل يهز ثقة المجتمع في مؤسسات يفترض أنها حارسة للنزاهة.
إن المطالبة هنا ليست بحصانة، ولا امتياز، ولا استثناء من القانون. المطلب بسيط وواضح:
إما محاكمة عادلة وشفافة تُعرض فيها الوقائع، أو إطلاق سراح فوري إذا لم تثبت جريمة.
فالعدل لا يتجزأ، وهيبة الدولة لا تُبنى بحبس الشرفاء، بل بإنصافهم. والقانون، في أبسط قواعده، لا يجيز حبس إنسان دون تهمة، ولا احتجازه دون محاكمة عادلة.
إن إنصاف المظلومين لا يُضعف الدولة، بل يقوّيها. والتاريخ، كما نعلم، لا ينسى من أعاد الحق إلى أصحابه، كما لا يرحم من صمت عن الظلم حين كان قادرًا على رفعه.
