كيف جعلت الجمهورية الإسلامية الناس أقل ارتباطا بالإسلامتحويل الإسلام إلى جزء من الدولة دفع كثيرًا من الإيرانيين إلى النفور من الدين.

Loading

في خضمّ الاحتجاجات الواسعة التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة—والتي قمعتها السلطة بوحشية وازهقت أروحا لا تُحصى—برز تفصيل لافت على نحو خاص. إذ لم يستهدف بعض المحتجّين مقارّ حكومية ومراكز أمنية فحسب، بل طالت الهجمات مواقع دينية أيضًا. ووفقًا لتقارير في الإعلام الرسمي الإيراني، وكذلك في وسائل معارضة مثل «إيران إنترناشيونال»، تعرّضت عشرات المساجد والأضرحة في أنحاء البلاد للتخريب. وأُضرمت النار في بعضها، وأُحرقت داخلها نسخ من المصحف.

ومن بين هذه المواقع مسجد «الرسول» الشهير في طهران، الذي أُشعلت فيه النيران في 9 يناير/كانون الثاني. وهتف بعض المحتجّين مبتهجين: «الموت للديكتاتور!».

هذا التخريب، بطبيعة الحال، ليس مما يُحتفى به. فدور العبادة لا ينبغي أن تُستهدف أبدًا، في أي سياق وفي أي بلد. كما أن القلة من المعارضين الذين يبدو أنهم نفّذوا هذه الاعتداءات، أو على الأقل برّروها، ينبغي أن يدركوا أن مثل هذه الأفعال لن تخدم قضية إيران الحرّة، وهي قضية يشترك فيها أيضًا كثير من المؤمنين المسلمين داخل إيران وخارجها.

ومع ذلك، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: إن الجمهورية الإسلامية نفسها أسهمت في خلق هذا العداء العنيف للدين. فعلى مدى عقود، برّر النظام حكمه السلطوي بإحالات دائمة إلى الإسلام. وبينما ادّعى المرشد الأعلى الحكم باسم الله، ُصور معارضو النظام بأنهم «أعداء الله». وبعض هؤلاء المعارضين، ردًّا على ذلك، انقلبوا فعلًا على الله.

حتى المساجد—التي تحظى باحترام واسع في العالم الإسلامي، حتى لدى غير المتديّنين—أُدرجت ضمن هذا التسييس المتطرّف. إذ استُخدم كثير منها مقارّ لأجهزة القمع التابعة للدولة، بما فيها ميليشيا «الباسيج» سيئة الصيت، والمكروهة لدى المعارضين لأسباب مفهومة. وفي أغسطس/آب 2024، تفاخر قائد هذه الميليشيا نفسه بأن 79% من قواعد الباسيج «تقع داخل المساجد».

أليس الاستغلال اللامتناهي للإسلام من قبل النظام، إذن، هو ما فجّر موجة معاداة للإسلام استهدفت حتى أماكن العبادة؟ «ثيوقراطية قاتلة تقتل وتغتصب وتعدم الإيرانيين باسم الإسلام»، كما كتبت الصحفية الإيرانية المنفية نازنين نور على منصة «إكس»، انتهت إلى خلق «غضب ضد الدين».

هذه المأساة الدينية التي صنعها النظام بيده لا تقتصر على توظيف الدين أداةً سياسية—وهي مشكلة ليست نادرة في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، سعت الثيوقراطية الإيرانية أيضًا إلى إعادة تشكيل المجتمع على صورتها عبر سياسات «أسلمة» مفروضة من الأعلى. ففرضت ممارسات دينية مثل الحجاب، وحظرت «الرذائل» كالكحول، وجرّمت التجديف والهرطقة والردّة. لكن النتيجة لم تكن ازدياد الإيمان والتديّن. على العكس تمامًا، فقد كثير من الإيرانيين إيمانهم بالإسلام، بل واحترامهم له.

هذه المفارقة اللافتة كثيرًا ما أدهشت المراقبين من الخارج. ومنهم عالم الاجتماع أميتاي إتزيوني، الذي زار طهران مطلع العقد الأول من الألفية، فدهش لرؤية المساجد «شبه خالية» وقلّة الملتزمين بصيام رمضان. وفي عام 2020، أمضى مراسل «الإيكونوميست» نيكولاس بيلهام وقتًا في طهران—جزء منه في الحجز—ليخلص إلى أنها «قد تكون العاصمة الأقل تديّنًا في الشرق الأوسط». ولاحظ أيضًا أن الكحول محظور بصرامة من قبل النظام، لكن «خدمة التوصيل المنزلي للنبيذ أسرع من توصيل البيتزا».

في الأثناء، وثّقت استطلاعات «غامان» (مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران) الانزياح الحاد بعيدًا عن الإسلام. ففي استطلاعهم الإلكتروني لعام 2020، لم يعرّف سوى نحو 40% من المشاركين أنفسهم بوصفهم مسلمين، فيما وصف كثيرون أنفسهم بأنهم غير متديّنين، أو ملحدون، أو زرادشتيون، أو «روحانيون بلا دين». كما تحوّل كثيرون إلى المسيحية، منضمّين إلى الكنيسة السرّية في إيران، التي تصفها منظمات مسيحية بأنها «من الأسرع نموًا في العالم».

وأظهر استطلاع أحدث أجرته «تحالف الشؤون العامة للإيرانيين الأميركيين» (PAAIA) تحوّلًا كبيرًا في أوساط المغتربين الإيرانيين: ففي عام 2009، عرّف 43% من الإيرانيين الأميركيين أنفسهم بأنهم «مسلمون». وفي عام 2025، انخفضت هذه النسبة إلى 24% فقط. أما نسبة «اللادينيين»، فقد قفزت ارتفاعًا هائلًا.

إزاء كل ذلك، قد يخلص البعض إلى أن الإسلام دين قمعي ميؤوس منه—وبلا تفكير—وأن إيران ليست سوى نموذج كاشف. وأنا أخالف هذا الرأي. فالإسلام—بسنيّه وشيعته—يضم أيضًا رؤى أكثر تنورا، مع علماء يبلّغون الدين دون أن يطمحوا إلى فرضه عبر دولة ثيوقراطية.

ومن هؤلاء كان الراحل آية الله العظمى حسين البروجردي (توفي في 1961)، أستاذ آية الله الخميني الشاب، قائد الثورة الإيرانية لاحقًا. فقبل عقود من الثورة، حذّر البروجردي تلميذه المتحمّس من أن الديكتاتورية الدينية ستُلحق الضرر بالدين نفسه. كما عارض لاحقًا آية الله العظمى حسين علي منتظري (توفي في 2009) الديكتاتورية الدينية والإكراه، ودعا الإيرانيين إلى إحياء مبدأ قرآني طال إهماله: «لا إكراه في الدين».

هل ستنتهي هذه التجربة الإيرانية المأساوية مع «الإكراه في الدين»؟ عاجلًا أم آجلًا، نعم. ولن يحدث ذلك—في تقديري—بسبب تدخل أجنبي، بل لأن عددًا متزايدًا من الناس يرفض الإيمان بالأيديولوجيا الرسمية، ولأن فساد النظام وعجزه سيمهّدان الطريق لانهياره النهائي—تمامًا كما حدث مع الاتحاد السوفيتي الراحل. وعاجلًا أم آجلًا، ستكون إيران حرّة.

وفي الأثناء، تكون الجمهورية الإسلامية قد لقّنت درسًا خالدًا لكل المؤمنين الدينيين، في كل التقاليد، ممن قد تُغريهم الرغبة في التبشير بإيمانهم عبر السلطة. فالسلطة تُفسد. وإذا اقترنت بالدين، أفسدت الدين أيضًا.

لا يمكن فرض الإيمان بقوة الدولة وقوانينها وفرقها. الإيمان لا يزدهر إلا بكسب القلوب والعقول. ولأجل ذلك، لا يحتاج إلى ثيوقراطية ولا إلى طغيان ديني. إنما يحتاج فقط إلى الحرية.