✍️ د. الباقر عبد القيوم :ملف الوجود السوداني بمصر بين تقنين الوجود وحملات التشويه

✍️ د. الباقر عبد القيوم :ملف الوجود السوداني بمصر بين تقنين الوجود وحملات التشويه

Loading

✍️ د. الباقر عبد القيوم :ملف الوجود السوداني بمصر بين تقنين الوجود وحملات التشويه🌹✍️ د. الباقر عبد القيوم :ملف الوجود السوداني بمصر بين تقنين الوجود وحملات التشويه

 

همس الحروف

ملف الوجود السوداني بمصر بين تقنين الوجود وحملات التشويه

✍ د. الباقر عبد القيوم علي

 

 

عند إشتعال الحرب في السودان ، كانت جمهورية مصر العربية في مقدمة الدول التي ساندت الشعب السوداني ، مساعدة حقيقية ، وبالفعل فتحت حدودها ، وتغافلت عن قصد إنساني نبيل عن كثير من الإجراءات الصارمة التي تفرضها الدول عادة في أوقات السلم ، فضلاً عن الحرب ، وقد إستقبلت ملايين السودانيين عبر المنافذ الرسمية وغيرها ، الذين إلتجأوا اليها فراراً من ويلات الحرب ، حفاظاً على أرواحهم .

 

هذا الموقف الإنساني لا يمكن إنكاره أو تجاوزه بأي صورة من الصور ، وهو محل تقدير من كل سوداني منصف ، لأن مصر لم تتعامل مع السودانيين كـلاجئين ابداً ، لأنها تعلم تمام العلم أنهم أشقاء ، فإحتضنتهم في هذا الظرف الاستثنائي .

 

لكن مع مرور الوقت ، وبالضرورة نشأ واقع جديد ، إذ تضاعف الوجود السوداني في مصر بصورة كثيفة ، وأصبح ملف الوجود غير المقنن هاجساً ضخماً للإدارة المصرية ، ليس من الناحية الإجرائية وحدها ، وأنما هو أيضاً يشكل مهدداً أمنياً وإقتصادياً .

 

فنحن نتحدث عن دولة ذات موقع جغرافي بالغ الحساسية ، وهي دولة ذات تماس مع دولة الكيان الصهيوني أولاً ، وثانياً تعتمد في جزء كبير من اقتصادها على السياحة ، ويقيم على أرضها ملايين الوافدين من جنسيات مختلفة ، فمن الطبيعي ، والبديهي أن تسعى لمعرفة من يعيش على أراضيها ، وأين وتحت أي صفة قانونية .

 

يردد البعض أن أوضاع السودانيين قانونية لأنهم يحملون (البطاقات الصفراء) كلاجئين ، لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة مهمة ، وهي أن التسجيل لدى المفوضية لا يُغني عن التقنين داخل الدولة المضيفة ، ولا يُسقط حقها السيادي في تنظيم الإقامة وفق قوانينها ، فالدولة لا تدار بالعواطف مهما سمت عندها القيم الإنسانية .

 

ومن المفارقات اللافتة للنظر أن كثيراً ممن يهاجمون حق مصر في تقنين الوجود الأجنبي هم أنفسهم من يرفضون وبشدة الوجود الأجنبي غير المقنن داخل السودان ، ويعتبرونه تهديداً للأمن والسيادة السودانية ، فإذا كان هذا حقاً مشروعاً لنا ، فلماذا ننكره على مصر ؟ .

 

خلال ذروة الحرب ، كان التغاضي المصري عن الدخول غير المقنن مفهوماً ومُقدراً ، ومطلوباً إنسانياً ، ولكن إستفاد منه أيضاً طيف واسع من دول غرب أفريقيا وهذا في حد ذاته مهدد لأمن المنطقة بأكملها وليس مصر وحدها .

 

أما اليوم ومع تراجع حدة الخطر في بعض المناطق السودانية ، يصبح من المنطقي أن يكون هناك خط رجعة قانوني يحفظ هيبة الدولة المصرية ، ويصون في الوقت نفسه كرامة المواطن السوداني الذي لم يتمكن من توفيق أوضاعه .

 

الآن ما يثير القلق حقاً هو تصاعد حملة ممنهجة ، تروج لادعاءات التهجير القسري للسودانيين من مصر ، وحقيقة هذه الحملة لا تخدم السودانيين المتواجدين في هنالك ، وكما أنها لا تنصف مصر كدولة مضيفة ، وتحاول هذه الحملة بشكل مباشر ضرب العلاقات التاريخية والإنسانية العميقة بين الشعبين الشقيقين ، وإثارة البلبلة وبث الشعور بالعداء حيث لا ينبغي أن يكون .

 

ونؤكد هنا وبوضوح أن هذه الادعاءات لا تستند إلى وقائع حقيقية ، وهو ضرب من ضروب التهويل المتعمد ، والأكاذيب المكررة ، فمصر شعباً وحكومةً لم تتنصل يوماً عن دورها تجاه أشقائها السودانيين ، ولم تتعامل معهم بمنطق الإكراه أو القسر ، فنحن إخوة وأشقاء و أصحاب مصير مشترك .

 

كذلك ذهب البعض في محاولات مكشوفة لإقحام أطراف سياسية في الموضوع ، أو الزعم بأن الرئاسة السودانية طلبت إجراءات التضييق على السودانيين من أجل العودة ، فمثل هذه المحاولات مكشوفة لإيجاد مبررات سمجة لا تعتمد على المنطق ، فجوهر المسألة أبسط من ذلك بكثير ، فمصر دولة قانون ، ومن حقها الأصيل كأي دولة في العالم أن تطلب من كل من يختار البقاء على أرضها أن يكون وضعه القانوني سليماً أو يغادر أرضها بسلام .

 

فتقنين الوجود ليس طرداً ، وليس عداءً ، وليس تنكراً للجميل ، فهو تنظيم يحفظ أمن الدولة وكرامة الضيف في آن واحد ، وقد تحدث بعد التجاوزات ، والأخطاء من رجال الشرطة المصرية أثناء التنفيذ ، وكل ذلك يقع في إطار السلوك الفردي ولايقع على الدولة ، ونحن نرفض تماماً مثل هذا السلوك غير القانوني ، ولكن على كل من فضل البقاء في مصر محاولة تقنين وضعه (ويا دار ما دخلك شر) كما يقول المثل الشعبي، ومن يريد حقاً مصلحة السودانيين في مصر ، عليه أن يدعو إلى احترام قوانين الدولة المضيفة ، لا إلى إشعال حملات تشويه تسيء للجميع .

 

يجب أن يعلم الجميع أن العلاقات بين مصر والسودان أعمق من أن تهزها مثل هذه الحملات ، وأقوى من أن نختزل هذه التاريخ في خطاب إنفعالي ، وما نحتاجه فقط هو صوت العقل بعيداً عن المزايدات .

 

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل